اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفلدنيا ودينمنوعات

الرياء الاجتماعي… حين يحكم القناعُ المجتمع

الرياء الاجتماعي… حين يحكم القناعُ المجتمع

بقلم: خالد مراد

لم يعد الرياء الاجتماعي سلوكًا هامشيًا أو ظاهرة فردية عابرة، بل أصبح نظامًا غير معلن يحكم العلاقات، ويعيد تشكيل القيم، ويصوغ صورة زائفة لمجتمع يبدو متماسكًا من الخارج، بينما يتآكل من الداخل بصمت.
إنه ذلك القناع الذي نرتديه جميعًا بدرجات متفاوتة، طوعًا أحيانًا، وقسرًا في أحيان أخرى، هربًا من نظرة المجتمع لا احترامًا له.
في زمن باتت فيه الصورة أهم من الحقيقة، والمظهر أسبق من الجوهر، صار الإنسان يقيس قيمته بما يعرضه لا بما يعيشه، وبما يُقال عنه لا بما هو عليه فعلًا.
نجاح مُصطنع، سعادة مُعلبة، أخلاق مُعلنة للاستهلاك العام، بينما الواقع مليء بالتعب، والضغوط، والتناقضات التي يُمنع الاعتراف بها.

من الفرد… يبدأ الزيف

يبدأ الرياء من الفرد حين يشعر أن الصدق مكلف، وأن الاعتراف بالضعف نقص، وأن قول الحقيقة قد يكلّفه مكانته الاجتماعية.
فيخفي فشله، ويبالغ في نجاحه، ويتظاهر بالرضا وهو يختنق، ويبتسم في العلن بينما ينهار في الخفاء.
وهكذا، يتحول الإنسان من كائن صادق مع ذاته إلى مشروع صورة، يعيش ليرضي الآخرين لا ليصالح نفسه.

في الأسرة… الرياء باسم “السمعة”

داخل الأسرة، يُمارس الرياء تحت مسمى «الستر» و«الحفاظ على الشكل العام».
تُخفى المشكلات، وتُدفن الأزمات، ويُمنع الحديث عن الخلل، لا رغبة في الإصلاح، بل خوفًا من كلام الناس.
فتنشأ أجيال تتعلم أن الحقيقة خطر، وأن المظاهر أهم من السلام النفسي، وأن الكذب الأبيض أأمن من الصدق الجارح.

في المجتمع… منافسة على الوهم

على مستوى المجتمع، يتحول الرياء إلى سباق محموم على الوهم.
منازل تُبنى فوق طاقة أصحابها، مناسبات تُقام فوق القدرة، مظاهر استهلاكية تُفرض باسم “المكانة”، وكل ذلك لإرضاء صورة ذهنية لا تشبع ولا ترحم.
يُرهق الناس أنفسهم ليبدوا أفضل مما هم عليه، بينما تتراكم الديون، وتضيع الطمأنينة، ويتحول العيش إلى استعراض دائم.

في العمل والمؤسسات… الشكل بدل الكفاءة

في بيئات العمل، يُكافأ من يجيد التجميل لا من يجيد الأداء، ويُرفع من يحسن الخطاب لا من يحسن الإنجاز.
تُكتب التقارير لتبدو جميلة، لا لتكون صادقة، وتُدار الاجتماعات لتُرضي الرؤساء، لا لتحل المشكلات.
وهكذا، يصبح الرياء المؤسسي قاتلًا صامتًا للإنتاج والجودة، ويُقصى الصادق لأنه “مزعج”، ويصعد المزيف لأنه “لبق”.

في المجال العام… أخطر أشكال الرياء

الأخطر هو الرياء في المجال العام، حين تُرفع شعارات لا تُطبّق، وتُعلن مبادئ لا تُمارس، ويُتاجر بالقيم في الخطب والبيانات، بينما الواقع يناقضها.
هنا يصبح الرياء أداة تضليل جماعي، تُزيّف الوعي، وتربك الحقائق، وتمنح الخطأ شرعية لفظية تخدّر المجتمع.
النتيجة… مجتمع من الأقنعة
حين يسود الرياء، يضيع الصادق، ويُشكك في النزيه، ويُتهم من يقول الحقيقة بأنه سلبي أو ناقم.
يصبح الصدق شذوذًا، والبساطة ضعفًا، والاعتراف بالخطأ فضيحة.
وهكذا، لا نعيش الحقيقة، بل نعيش صورتها المزيفة، حتى ننسى ملامحنا الحقيقية.

الخلاصة: الصدق شجاعة… لا عيب

الرياء الاجتماعي ليس قدرًا، بل خيار جماعي صنعناه خوفًا من المواجهة.
والخروج منه لا يبدأ بالشعارات، بل بثورة هادئة على الزيف:
صدق مع الذات، شجاعة في الاعتراف، واحترام للحقيقة مهما كانت مؤلمة.
فالمجتمع الذي يجرؤ على خلع الأقنعة، هو وحده القادر على الإصلاح،
أما المجتمع الذي يعبد الصورة، فسيبقى أسيرها… مهما بدا لامعًا.
ويبقى السؤال الذي يجب أن نواجهه بلا مواربة:
هل نريد أن نبدو أفضل… أم أن نكون أفضل؟
@

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى